مؤلف مجهول

316

كتاب في الأخلاق والعرفان

ولا يقنع العبد إلّا بعد رؤية العدل النّظر « 1 » في القسمة والرّضا بالحكم والتّسليم للأمر وصدق التّوكّل والتّفويض إلى اللّه والسّكون معه بالقلب والاستيناس به . وقيل : القناعة تورث الحرّيّة ، والحرص يورث العبوديّة . وقال : [ عليّ بن ] عبيدة اللطفي « 2 » : القناعة نعمة جسيمة ورزق واسع وحصن حصين والفة دائمة وراحة عظيمة وعيش صاف ودعة البدن وعزّ النّفس وصيانة للعرض وحياة طيّبة وسلامة وعافية . فإن وفّق صاحبها للصّواب في التمييز واختيار ما يستحقّ به الاصطفاء ، صفا من درن الشّكوك وعصمه اللّه ، واللّه لا يحبّ كلّ مختال فخور « 3 » . وقيل : أروح الرّوح القناعة ، وهي أقصى رتبة الفقير كما أنّ أقصى رتبة الغنى الشّكر . ولا يسلم العبد من آفات الدّنيا إلّا بإيثار القناعة والتمسّك بحبل اليقين والاستضاءة بنور العلم والتّقنّع بجلباب الحياء والاستتار بثوب الصّبر ، فقد قيل : من استغنى بالدّنيا عن الدّنيا كان كمطفئ النّار بالتّبن . وفيما يؤثر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله قال : طوبى لمن هدي إلى الإسلام ، وكان عيشه كفافا وقنع « 4 » . وضدّ القناعة الحرص ، وهو فضول الشّهوات واشتطاط الأماني وأدنى المطامع ومهانة النّفس وسخف في الرّأي وشكّ في المقدور وجهد دائم وعقل هائم وغمّ لازم وفقر حاضر وتعب ظاهر وبحر عميق وطريق مظلم ومفازة مهلكة ومركب جموح .

--> ( 1 ) . كذا . ( 2 ) . في الأصل : اللطغي ، وهو تصحيف . ( 3 ) . نقله الجاحظ في كتاب الأمل والمأمول [ باب القناعة ] وعزّاه إلى عليّ بن عبيدة . ( 4 ) . راجع الكافي : 2 / 140 ومستدرك الوسائل : 15 / 231 ومسند أحمد : 6 / 19 .